الحمد لله الرءوف الرحيم، الذي وسع كل شيء رحمة وعلماً، ودعا عباده إلى التوبة النصوح، واشتد فرحه بها، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، الدال أمته على خير ما يعلمه لهم، والمحذر لهم من كل سيئة وإثم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه على سنته، ما أضاءت البروق، وسبحت الرعود، وتتابع القطر بالهطلان.
أما بعد، أيها الفضلاء ـ أصلح الله أقوالكم وسدد ـ:
فإن الحلف بغير الله تعالى من الذنوب العظيمة، والسيئات الخطيرة، والآثام البشعة الشنيعة، والمعاصي المهلكة المذلة، والمحرمات الغليظة، والمنكرات البغيضة، والقبائح الشديدة.
ومع ذلك فلا يزال هذا المحرم الفظيع يسري بين المسلمين، ويتسع ويزيد، تسمعه من الشيخ الكبير، والعجوز المسنة ، والرجل الكهل، والمرأة الكهلة، والفتى اليافع، والشابة اليانع، والصبي والصغيرة.
تسمعه من أهل الحاضرة والمدن الكبيرة العامرة، ومن أهل البادية والقرى الصغيرة النائية.
وتسمعه من الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ومن الدارس الذي حاز أعلى الشهادات، وتبوأ عالي الرتب والمناصب.
الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ و آله وصحبه وسلَّم، أمَّا بعد:
فإنَّ الله عزَّ في علاه قد بيَّن لنا في كتابهِ فضل (العلم) وشرف أهله، وجاءت النُّصوص النَّبوية على صاحبها أفضل صلاة وأزكى سلام تؤكِّدُ ذلك وترغب فيه؛ فانطلاقاً من الرغبة في المشاركة في نشر الخير و الدَّلالة عليه، حرصت على تذكير الإخوة بهذا الأمر المهم و شَحْذ هِمَمِهم؛ فيشمِّروا عن ساعد الجدِّ؛ لِيَنْتَفِعُوا و يَنْفَعُوا وَ يَرْتَفِعُوا بحول الله وتوفيقه.
ثم إِنَّنِي سَأُثَنِّي- بمشيئة الله تعالى- في كتابة أُخْرَىَ بِأَمْرٍ ثَانٍ لَهُ صِلة لا تَنْفكُ أبداً عن العِلْمِ! ألا وَهُو: العَمَلُ بِالعِلْمِ!؛ لِيَكْتَمِلَ نَظْمُ الْمَقْصُودِ وَ يَحْصل الْمُراد بحولِ الله وقُوَّتهِ.
فَأبدأُ فيما قَصَدُّته و من الله العون والتَّوفيق؛ فأقول:
قد وردت نصوص كثيرة في كتاب الله عزَّ وجلَّ تدلُّ على فضل العلم و شرف أهله؛ فَمن تلك النصوص:
فأحبُّ أنْ أذكَّر الإخوة بأمرٍ ألاَ وهو أنَّه قَدْ يَنْخَدِعُ بعض أهل السُّنَّة فيقع في حبائل الشِّيطانِ ومكَايدهِ، وَيُخَالِف الْجَادَّة الْمَسْلُوكة عند أئمَّة أهل السُّنَّة في البابِ، ومما يجبُ أن يعلم أنَّ أصلَ كلِّ شرٍّ يعودُ إلى البدعِ، كمَا قَال الإمام ابن القيم في (إعلام الموقعين) (1/ 136).